منتديات شباب الإخوان المسلمون
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

عزيزي الزآئر/ة يشرفنآ جدآ تسجيلكـ معنا في المنتدى

و يسعدنا ايضا تسجيل دخولك اذا كنت مسجل لدينا

مع تحيــــــات
إدارة المنتدى


************************



منتديات شباب الإخوان المسلمون

هي منتديــــات اسلامية
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
الشيخ جاويش : الترابي لم يكن في يوم من الأيام مؤمناً بفكر الحركة الاسلامية وطرحها ، إنما استغلها لمآرب شخصية.
... الشيخ علي جاويش : تحالفنا السابق مع الحكومة أملته ضرورات الخوف علي الأمة عقب توقيع إتفاقية نيفاشا واليوم ليس للجماعة أي مشاركة في الحكم.
الشيخ علي ﺟﺎﻭﻳﺶ المراقب العام للإخوان المسلمين بالسودان : ﺧﻼﻓﻨﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﺘﺮﺍﺑﻲ ﺣﻮﻝ ******ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻻﺳﻼﻡ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﺒﺎﺩﻱ ﺍﻻﺧﻮﺍﻥ
********** المرشد العام يهنئ الشيخ جاويش بانتخابه مراقبًا عامًّا لإخوان السودان فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين يهنئ فضيلة الشيخ علي محمد أحمد جاويش بانتخابه مراقبًا عامًّا للإخوان المسلمين بالسودان. ويسأل الله تعالى أن يوفقه وإخوانه في خدمة السودان الشقيق والأمتين الإسلامية والعربية.. إنه سميع مجيب. كما يوجِّه التحية والتهنئة إلى الإخوان المسلمين بالسودان؛ بمناسبة انتخاب مجلس الشورى الجديد.

شاطر | 
 

 شخصية الإمام البنا في رأي العلماء

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
إدارة المنتدى
 
 
avatar

تاريخ التسجيل : 29/01/2012
مشاركات : 87
معدل تقييم المستوى : 0

مُساهمةموضوع: شخصية الإمام البنا في رأي العلماء   الإثنين يناير 30, 2012 2:14 am

[ 1 ] فضيلة الداعية الشيخ: محمد الغزالي يتحدث
عن الإمام البنا


[ أ ] القائد المربي

[ ب ] غصن باسق في شجرة الخلود

[ ج ] في ذكرى مجدد القرن الرابع عشر

[ د ] مقدمة كتاب.. دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين



[ أ ] القائد المربي:


"كان حسن البنا- حيث حل- يترك وراءه أثرًا صالحًا، وما لقيه امرؤ في نفسه
استعداد لقبول الخير إلا وأفاد منه، ما يزيده صلة بربه، وفقهًا في دينه،
وشعورًا يتبعه نحو الإسلام والمسلمين، والرجل الذي يشتغل بتعليم الناس لا
يستطيع في أحيانه كلها أن يرسل النفع فيضًا غدقًا، فله ساعات يخمد فيها،
وساعات يتألق وينير.



إن الإشعاع الدائم طبيعة الكواكب وحدها، وقد كان حسن البنا في أفقه الداني
البعيد، من هذا الطراز الهادي بطبيعته لأن جوهر نفسه لا يتوقف عن الإشعاع.




سل الألوف المؤلفة التي التقت به.. أو التي أشرقت عليها الرجل في مداره
العتيد، ما من أحد منهم إلا وفي حياته ومشاعره وأفكاره أثر من توجيهات حسن
البنا، أثر يعتز به ويغالي بقيمته ويعتبره أثمن ما أحرزه في دنياه.




التقيت بالإمام الشهيد لأول مرة وأنا طالب في معهد الإسكندرية، وكنت شابًا
تجتذبني دواعي التقى والعفاف، وتناوشني مفاتن الحضارة الوافدة من وراء
البحار، فكانت الغرائز المستثارة تدخل في مضطرب مائج مع إيحاء الإيمان
الموروث، واتجاهات الدراسة التي نتلقاها في علوم الدين... ونحن جيل مخضرم
تلتقي في حياتنا تيارات متعارضة، وما كان يعلم إلا الله ما يجول في قلوبنا
وألبابنا من أسى وتعقيد.




وقد أورثتني معاناتي السابقة لهذه الأحوال تقديرًا لمشاكل الشباب، ورقة
شديدة لما يمرون به من أطوار، ثم أدركت أن الوعظ المجرد والتعليم العابر لا
يجديان كثيرًا، وعندما استمعت إلى حسن البنا لأول لقاء تكشفت لي أمور
كثيرة لا بد منها في صحة إبلاغ الرسالة وإمكان النفع الكامل بها.




ليس الداعية إلى الله، أداة ناقلة، كالآلة التي تحمل سلعةً ما من مكان إلى
مكان، وليست وظيفته أن ينقل النصوص من الكتاب والسنة إلى آذان الناس، ثم
تنتهي بعد ذلك مهمته.


كانت لدى حسن البنا ثروة طائلة من علم النفس، وفن التربية، وقواعد
الاجتماع، وكان له بصر نافذ بطبائع الجماهير، وقيم الأفراد، وميزان
المواهب... وهذه بعض الوسائل التي تعين على العودة وليست كلها.



والوسيلة التي تعتبر طليعة غيرها، ولا تؤتي الدعوة إلى الله ثمارها كاملة
إذا لم تتوافر لها، هي إلهام الله للداعية أن يتخير موضوعه المناسب، وأن
يصوغه في الأسلوب الذي يلقى هوى في أفئدة السامعين، ويترك أثره المنشود في
نفوسهم وأفكارهم.




إن القذيفة قد تنطلق، كاملة
العناصر، تامة القوة، ولكنها تقع بعيدة عن مرماها، فتذهب هدرًا، وما أكثر
الخطباء الذين يرسلون من أفواههم حكمًا بالغة تنطلق هنا وهناك، كما ينطلق
الرصاص الطائش، لا يصيب هدفًا ولا يدرك غرضًا.




وحسن البنا كان موفقًا في اصطياد الرجال، وكانت كلماته البارعة تأخذ طريقها
المستقيم إلى عقولهم فتأسرها، وذلك أمر يرجع إلى المهارة الخاصة، ولاقتياد
الكلمة من فم القائل إلى شغاف قلب السامع يمكن أن يقال فيه: ﴿وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾..




وقد سمعت بعض تلامذة الإمام البنا يرددون المعاني نفسها التي كانت تجري على
لسان الرجل ويستحيل أن تجد في كلامهم عوجًا، ومع ذلك فإن الفتح بها محدود،
إن السماء وحدها هي التي تضع للإنسان القبول في الأرض، وقد كان حسن البنا
ملاحظًا بعناية الله من هذه الناحية الهامة. ويوجد في العالم الإسلامي رجال
في مثل علم الإمام الشهيد، وربما كان لهم قلمه وأداؤه، ولكن التوفيق الذي
صاحب دعوة حسن البنا، والنجاح الباهر الذي صادفه لم يلقه غيره مع تشابه
الأداة:




إن السلاح جميع الناس تحمله وليس كل ذوات المخلب السبع




وقد بدأ حسن البنا يربي الجيل الجديد للإسلام على الأساس الذي وضعه للنهوض
به، إنه يريد تكوين دولة إسلامية، وإقامة حكم شرعي رشيد، فسلك إلى هذه
الغاية الطريق الوحيد الذي ينتهي بها وإن طال المدى، وتراخت الأيام، وكثرت
التكاليف... طريق التربية الإسلامية.




وكان الساسة في ميدانهم قد هجروا القرآن، فما تدور على ألسنتهم آياته، وما تعرف في أعمالهم توجيهاته، فإذا بهم يسمعون في ميدان السياسة واعظًا يقرأ القرآن ويستهدي
بمنار السنة، وكان الطيبون من أهل الخير قد نسوا في العزلة التي رمتهم
الحضارة الغربية فيها، أن للإسلام شريعةً تحكم، ودولةً تسود.. فإذا بهم
يسمعون في الصوامع والمساجد رجلاً يحدثهم عن سياسة الدنيا باسم الله و يسوق
حشدًا من النصوص الحاسمة تدفع الصالحين إلى إصلاح ما فسد حولهم من شئون
الأمة ومراسيم الدولة.




وحسن البنا يعلم أن المسلمين هزموا في مواقع شتى، كسرت شوكتهم في القرن
الأخير، ومكنت الغرب الكافر من ملاحقتهم في عقر دارهم بالإهانة والتسخير.




وعرف الرجل أسباب الهزيمة معرفةً دقيقةً، إن النفوس قد تحللت بالمعاصي،
والجماعة قد انحلت بالإسراف، والدولة قد تهدمت بحب الدنيا وكراهية الموت...
ومن ثم انتصر الكافرون، فيجب أن تقوم النفوس بالطاعة، وأن يحارب الإسراف
والترف بالاقتصاد والاجتهاد... وأن تعلم الأمة الإقبال على المخاطر لتسلم
لها الحياة، وأن يتم ذلك كله على دعامة موطدة من قوة الصلة بالله تشق
الحناجر بهذا الدعاء ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا
فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَافِرِينَ﴾ ومن ثم ينتصر المؤمنون.




وقد حار أصدقاء حسن البنا وأعداؤه في فهم هذه السياسة الجديدة الجديدة،
وتضاحك أهل الدين وأهل الدنيا ممن يبني الانتصار على الاستغفار.. وحق لهم
أن يضحكوا ساخرين.




أما الماديون من أهل الدنيا فهم يحسبون ذلك دجلاً لا طائل تحته.. وأما
غيرهم فقد وقر في نفوسهم أن اللجوء إلى الله لا يكون إلا قرين العجز، وأثر
السلبية المطلقة في علاج الأمور، وقلما يسأل أحدهم ربه إلا وهو محصور
محسور.




إن هؤلاء يحسبون الإنسانية مع خالقها كالابن العاق مع أبيه الغني لا يرجع
إليه إلا مضطرًا، عندما تفرغ يداه من النقود، ولو فقهوا الآية السابقة:
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا.......﴾ لعرفوا أن قائليها كانوا صفًا
مناضلاً في حومة الوغى تصرع من حولهم رسل الحق انتصارًا للحق وتفانيًا في
حمايته، ومع شدة ما يلقون- في ذات الله- من محن يثبتون ويؤدون واجبهم على
خير الوجوه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ
لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.




على هذه الصخرة من علاقة الفرد بربه، علاقة إنتاج وإقبال واستغفار، لا
علاقة كسل وإدبار وانهيار، كان البَنَّاءُ حسن يجمع اللبنات الجديدة لإعادة
ما انهدم من أركان الحكم الإسلامي النظيف.




وما صدق الناس سلامة هذا الاتجاه في التربية، حتى شهدت بادية الشام وشطآن
القناة أحفاد خالد وأبي عبيدة وابن العوام وابن الصامت، صورًا متشابهة
تتكرر بها معجزة رسول الله في الآخرين كما بدأت في الأولين.




منذ أيام مشيت في جنازة الشهيد عمر شاهين، ثم سبحت بي الذكريات إلى أيامنا
الماضية وارتسمت أمام عيني صورة الإمام الشهيد حسن البنا، فقلت لنفسي: إن
الذي علم هذا الشاب كيف يستشهد في سبيل الله هو حسن البنا، وقد سبقهم الرجل
في سلوك الطريق التي رسمها فما كذبهم، ولا كذبوه، وأعدت النظر إلى الشباب
الناصع الجبين من حول الجنازة المتهاوية إلى الجنة ثم تلوت قول الله: ﴿مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا
بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾. [مجلة الدعوة: 16 جمادى أول سنة 1371هـ].





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
إدارة المنتدى
 
 
avatar

تاريخ التسجيل : 29/01/2012
مشاركات : 87
معدل تقييم المستوى : 0

مُساهمةموضوع: رد: شخصية الإمام البنا في رأي العلماء   الإثنين يناير 30, 2012 2:17 am

[ب] غصن باسق في شجرة الخلود:


"في وحشة الليل وسورة الغدر ويقظة الجريمة، كان الباطل بما طبع عليه من
غرور، وما جُبِل عليه من قسوة، وما مرد عليه من لؤم، كان مستخفيًا ينساب في
أحياء القاهرة الغافلة يجمع سلاحه، ويبث عيونه، ويسوق أذنابه مع الكبار
والصغار ويعد عدته لكي يغتال حسن البنا.. مرشد الإخوان المسلمين.

وليس قتل الصديقين والصالحين في هذه الدنيا بأمر صعب!

إن القدر أذن بأن يعدو الرعاع قديمًا علي أنبياء الله، فذبحوا وهم يحملون
أعباء الدعوة، أفكثير على من تلقوا هذه الأعباء قبل أن تسقط على الأرض أن
يردوا هذا المورد؟

بلى ومن طلب عظيمًا خاطر بعظيمته، ومن هوان الدنيا على الله أن ترك كلاب
المترفين فيها تشبع مع المترفين، وأن ترك حملة الوحي فيها يهونون... مع
الوحي
لا بأس.

سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلاً يقول: اللهم آتني أفضل ما أتيته
عبادك الصالحين!! فقال: "أذن يعقر جوادك ويراق دمك.." حتى الجواد يقتل مع
صاحبه... لقد أصابه من الشهادة مسها القاني، ولو كان مربوطًا بعربة بضاعة
لعاش دهرًا.

وكذلك أبى ربك أن يسترجع إليه المختارين من عباده- بعد ما أدوا رسالتهم في
الحياة- وهم وافرون آمنون، نعم.. أبى أن يتركوا هذه الحياة سالمين من
طعناتها الفاجرة، وجراحاتها الغادرة، فمزق علج من المجوس أحشاء عمر، وعدا
مأفون غر على حياة علي، وقتل يزيد الماجن سبط الرسول الحسين، وتآمرت دولة
الأوغاد على قتل حسن البنا، ولن تزال سلسلة الشهداء تطول حلقةً حلقةً ما
بقي في الدنيا صراع بين الضياء والظلام.

عفاء على دار رحلت لغيرها
فليس بها للصالحين معرج

كدأب علي في المواطن قبله
أبي حسن والغصن من حيث يخرج


لقد قتل حسن البنا يوم قتل والعالم كله أهون شيء في ناظريه، ماذا خرقت
الرصاصة الأثيمة من بدن هذا الرجل؟ خرقت جسدًا أضنته العبادة الخاشعة،
وبراه طول القيام والسجود، خرقت جسدًا غبرته الأسفار المتواصلة في سبيل
الله، وغضنت جبينه الرحلات المتلاحقة إلى أقاصي البلاد، رحلات طالما عرفته
المنابر فيها وهو يسوق الجماهير بصوته الرهيب إلى الله، ويحشدهم ألوفًا في ساحة الإسلام! لقد عاد القرآن غضًا
طريًّا على لسانه، وبدت وراثة النبوة ظاهرة في شمائله. ووقف هذا الرجل
الفذ صخرة عاتية انحسرت في سفحها أمواج المادية الطاغية، وإلى جانبه طلائع
الجيل الجديد الذي أفعم قلبه حبًّا للإسلام واستمساكًا به
وعرفت "أوروبا" البغي أي خطر على بقائها في الشرق إذا بقي هذا الرجل
الجليل، فأوحت إلى زبانيتها.. فإذا الإخوان في المعتقلات، وإذا إمامهم شهيد
مضرج في دمه الزكي!

ماذا خرقت الرصاصة من جسد هذا الرجل؟ خرقت العفاف الأبي المستكبر على الشهوات، المستعلي على نزوات الشباب الجامحة.

لقد عاش على ظهر هذه الأرض أربعين عامًا لم يبت في فراشه الوثير منها إلا
ليالي معدودة، ولم تره أسرته فيها إلا لحظات محدودة، والعمر كله بعد ذلك
سياحة لإرساء دعائم الربانية، وتوطيد أركان الإسلام، في عصر غفل فيه
المسلمون، واستيقظ فيه الاستعمار، ومن ورائه التعصب الصليبي، والعدوان
الصهيوني، والسيل الأحمر! فكان حسن البنا العملاق الذي ناوش أولئك جميعًا
حتى أقض مضاجعهم، وهدد في هذه الديار أمانيهم.

لقد عرفت التجرد للمبدأ في حياة هذا الرجل، وعرفت التمسك به إلى الرمق
الأخير في مماته، وعرفت خسة الغدر يوم قدم رفات الشهيد هديه للمترفين
والناعمين، كما قدم- من قبل- دم علي مهرًا لامرأة.

عجبًا لهذه الدنيا وتبًّا لكبرائها، ووارحمتاه لضحايا الإيمان في كل عصر ومصر! أكذلك يقتل الراشد المرشد؟؟

ودعا أيها الحفيان ذاك الشخص
إن الوداع أيسر زاد

واغسلاه بالدمع إن كان طهرًا
وادفناه بين الحشا والفؤاد

وخذا الأكفان من ورق المصحف
كبرًا عن أنفس الأبراد

أسف غير نافع واجتهاد
لا يؤدي إلى غناء اجتهاد".


[ج] في ذكرى مجدد القرن الرابع عشر:



"من ثلث قرن اغتالت القوى المعادية للإسلام حسن البنا، فهل كان ذلك
الاغتيال الفاجر عملاً مرتجلاً أو نزوةً عابرةً؟ لقد ثار الاستعمار العالمي
من الرجل الذي أحبط مؤامراته، وأبطل خططه، واستطاع أن ينقذ دينا ويبقي
أمةً ويحفظ تراثًا كادت تتخطفه الذئاب!

نعم.. كان أمل الاستعمار قويًّا بعد ما أسقط الخلافة واحتل أرض الإسلام
شرقًا وغربًا أن ينشئ أجيالاً كافرةً بربها متنكرةً لدينها متبرئة من
قرآنها وسنة نبيها، وقد أحرز بعض النجاح، وأعانه على جريمته سماسرة رسميون
وشعبيون.

بيد أن فوجئ برجل ينفخ من روحه اليقين والإخلاص، ويأسو بيده الفتوق
والجراح، ويلم الشمل المبعثر، ويتنقل بين القرى والمدائن في الوادي، ينقل
الشعاع وهو يصنع على الأرض النهار! فإذا- الإيمان المخدر يصحو، وإذا الجهاد
القديم يزأر، يحطم القيود ويكبر الله وحده.

إن كل ما دبره الاستعمار والاستشراق والتبشير وكل ما تركته أيام الاضمحلال
والفرقة والشتات، إن ذلك كله احترق في هدير حسن البنا باسم الله، وفي كفاحه
الرهيب لإعلاء راية الحق كون حسن البنا جيشًا من الدعاة والساسة والقادة.

كان الرجل الفذ كتلةً من الذكاء والبيان والفقه والنفاذ إلى ما ينبغي، كان
لا بد أن يقتله أعداء الإسلام ليصفو لهم الجو ويمضي سحرهم فلا تعترضه عصا
موسى، كان لا بد من ضرب هذا العملاق الذي رد إلى المسلمين ثقتهم بدينهم
وتاريخهم وأنفسهم، وعرفهم من هم؟ وماذا يحملون؟.

قلت وأنا اشرح المبادئ العشرين التي وضعها حسن البنا لجمع كلمة الأمة والذي
أصفه ويصفه معي كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة.. فقد وضع جملة
مبادئ تجمع الشمل المتفرق، وتوضح الهدف القائم، وتعود بالمسلمين إلى كتاب
ربهم وسنة نبيهم، وتتناول ما عراهم خلال الماضي من أسباب العوج والاسترخاء
بيدٍ آسيةٍ، وعين لماحة فلا تدع سببًا لضعف أو خمول.

وعملي كان تأصيل هذه المبادئ وشرحها على ضوء تجاربي المستفادة خلال أربعين
عامًا في ميدان الدعوة قضيت بعضها مع الإمام الشهيد، وبعضها مع الرجال
الذين رباهم، وبعضًا آخر مع مؤمنين مخلصين حفظوا دينهم وجاهدوا في سبيله
وقاوموا ببأس شديد جميع القوى التي أغارت عليه وحاولت إطفاء نوره وتنكيس
رايته.

الظروف لم تتغير:

إن الظروف التي بدأ فيها حسن البنا دعوته ما تزال قائمة مع خلاف طفيف حينًا وكثيف حينًا آخر، وهذه الظروف تنشأ من منبعين رئيسيين:

الاستعمار العالمي الذي اكتسح بتفوقه المدني والعسكري كل شبر من أرض الإسلام وحاول أن يغير معالمها جملةً وتفصيلاً لمصالحه الخاصة.

والمنبع الآخر هو الأخطر والأخبث يجيء من الأدواء التي انتشرت في الكيان
الإسلامي نفسه نتيجة فساد عام في أحواله المادية والأدبية والعلمية
والعملية الفردية والاجتماعية والتربوية والسياسية، والواقع أن الاستعمار
العالمي انحدر إلى أقطار فقدت القدرة على الحياة الصحيحة واسترق جماهير كان
نسبها إلى دينها أبعد شيء عن الصدق، وقطع أوصالاً كانت ميتةً أو شبهَ
ميتةٍ.

كان قلب العالم الإسلامي مذهولاً أو مشلولاً والأمريكان يشنون حرب إبادة
على مسلمي الفلبين ثم أطبق الظلام على أرضه جمعاء واستفاقت عناصر المقاومة
بعد ما فقدت الأمة الكبيرة كل شيء تقريبًا، وتوزعت جهود المقاومين على
جبهات عديدة مضنية كان ذلك في مبدأ القرن الرابع عشر وأوسطه، ولا ريب أن
الأحلاف العانين كانوا يحصدون ثمرات انحراف قديم، وإسفاف غبرت عليه أيام
كالحة.

ومن الخطأ القول بأن حسن البنا أول من رفع راية المقاومة في هذا القرن
الذليل لقد سبقه في المشرق العربي والمغرب العربي وأعماق الهند وإندونيسيا
رجال اشتبكوا مع الأعداء في ميادين الحرب والسياسة والتعليم والتربية
وأبلوا بلاء حسنًا في خدمة دينهم وأمتهم، وليس يضيرهم أبدًا أنهم انهزموا
فقد أدوا واجبهم لله، وأتم من بعدهم بقية الشوط الذي هلكوا دونه.


استفاد حسن البنا من الذين سبقوه، إن حسن البنا استفاد من تجارب القادة
الذين سبقوه وجمع الله في شخصه مواهب تفرقت في أناس كثيرين، كان نديمًا
لتلاوة القرآن الكريم يتلوه بصوت رخيم،
وكان يحسن تفسيره كأنه الطبري أو القرطبي، وله مقدرة على فهم أصعب المعاني
ثم عرضها على الجماهير بأسلوب سهل قريب، وهو لم يحمل عنوان التصوف بل لقد
أبعد من طريقة كانت تنتمي إليها بيئته، ومع ذلك فإن أسلوبه في التربية
وتعهد الأتباع وإشعاع مشاعر الحب في الله كان يذكر بالحارث المحاسبي وأبي
حامد الغزالي، وقد درس السنة المطهرة على والده الذي أعاد ترتيب مسند أحمد
بن حنبل، كما درس الفقه المذهبي باقتضاب فأفاده ذلك بصرًا سديدًا بمنهج
السلف والخلف، ووقف حسن البنا على منهج محمد عبده وتلميذه صاحب المنار الشيخ محمد
رشيد رضا، ووقع بينه وبين الأخير حوار مهذب، ومع إعجابه بالقدرة العلمية
للشيخ رشيد وإفادته منها فقد أبى التورط فيما تورط فيه، ولعله كان أقدر
الناس على رفع المستوى الفكري للجماهير مع محاذرة لبقة من أسباب الخلاف
ومظاهر الغضب، وقد أحاط الأستاذ البنا بالتاريخ الإسلامي، وتتبع عوامل المد
والجزر في مراحله المختلفة، وتعمق تعمقًا شديدًا في حاضر العالم الإسلامي،
ومؤامرات الاحتلال الأجنبي ضده.


ثم في صمت غريب أخذ الرجل الصامت يتنقل في مدن مصر وقراها وأظنه دخل ثلاثة
آلاف من القرى الأربعة آلاف التي تكون القطر كله.. وخلال عشرين عامًا
تقريبًا صنع الجماعة التي صدعت الاستعمار الثقافي والعسكري، ونفخت روح
الحياة في الجسد الهامد ثم تحركت أمريكا وانجلترا وفرنسا وأرسلت سفراءها
إلى حكومة الملك فاروق طالبين حل جماعة الإخوان المسلمين، وحُلت الجماعة،
وقتل إمامها الشاب الذي بلغ اثنتين وأربعين سنة من العمر، وحملته أكف
النساء مع والده الشيخ الثاكل إلى مثواه الأخير، فإن الشرطة كانت تطاردنا- نحن المشيعين- حتى لا نقترب من مسجد (قيسون) الذي بدأت منه الجنازة!
وتحدثت مع ولده سيف الإسلام حديثًا لم أنسه!! كان الابن المفزع مغيظًا لأن
الجسد قطع لحمًا لحمًا فما تنتظم القطع بعضها إلى بعض إلا بالشاش ثم بالكفن
ولولا ذلك لتبعثرت، تذكرت قول الشماخ يرثي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
وقد طعنه علج طعنه مزقت أمعاءه وجعلت الدم يخرج ممزوجًا بالطعام:

جزى الله خيرًا من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق

من ملامح الحاضر:

ولست في موطن رثاء للإمام الشهيد ولا تأريخ حياته، إنني هنا أعرض المبادئ
التي كان يجمع الناس عليها والأسلوب الناجح الذي أحدث به يقظةً إسلاميةً
عظيمةً فإن الظروف التي بدأ فيها جهاده لا تزال قائمةً لم يتغير منها إلا
الشكل، الاستعمار السياسي هو هو وإن اتخذ ضغطه أسلوب غير مباشر، وما دام
الختل واللف يغنيان فلا معني للمصارحة وما تستتبعه من إثارة!

والاستعمار الثقافي دائب على سرقة القلوب والقيم واجتياح العقائد والشرائع وحيله كثرت وتشبعت حتى بات يخاف على الأجيال المقبلة.

واضمحلال العقل الإسلامي واضح في أغلب ميادين الفقه، وعدد كبير من
المشتغلين بفقه العبادات أو المعاملات يحسن النقل التقليدي أكثر مما يحسن
الوعي والاجتهاد ويغلب عليه ضيق الأفق ولزوم ما لا يلزم!!

أما الفشل في شئون الدنيا فأمره مخجل حتى أن ما نأكله من طعام أو ما نأخذه
من دواء أو ما نرتديه من لباس يصنعه لنا غيرنا وأما صناعات السلاح وما يحمي
الشرف ويصون الإيمان فشيء لا ناقة لنا فيه ولا جمل كما يقول العرب
الأقدمون.

لقد بدأ حسن البنا عمله منذ الصغر وشرع دون ضجيج يحيي الإسلام المستكن في
القلوب ويوجهه للعمل، ويكفي الإمام شرفًا أنه صانع الشباب الذين نسفوا
معسكرات الإنجليز على ضفاف القناة وما زالوا بهم حتى أغروهم بالرحيل.

ويكفيه شرفًا أنه صانع الشباب الذين ما اشتبكوا مع اليهود في حرب إلا ألحقوا بهم الهزيمة وأجبروهم على الهرب.

لقد بدأت العمل مع حسن البنا وأنا طالب في الأزهر من خمس وأربعين سنة
تقريبًا، والحالة العامة يومئذ جديرة بالتسجيل: الحكم منفصل عن العلم وهو
انفصال مبكر في تاريخنا للأسف كما أشرت إلى ذلك في بعض كتبي، والتعليم
قسمان: مدني وديني، وهو عمل استعماري بارع لضرب الدين والدنيا معًا،
والتعليم الديني منقسم على نفسه فالفقهاء شيء والمتصوفة شيء آخر،
والمتصوفون فرق لها رايات وشارات مختلفة، والفقهاء توزعوا على المذاهب
الأربعة ويرفض أحدهم الصلاة وراء الآخر إلا مضطرًا ثم نشب خلاف زاد الطين
بلة بين هؤلاء جميعًا وبين أهل الحديث، ودخلت الوهابية المعركة باسم أنصار
السنة فاستمرت الحرب بينها وبين هذه وتلك، وولدت الأحزاب السياسية بعيدةً
عن الدين جاعلة الوطنية شعارها وانقسمت هذه الأحزاب بين ضالع مع القصر
الملكي ومؤيد للتيار الشعبي، ثم تسللت الشيوعية مستغلة الفقر السائد وعارضة
ما لديها من فنون الإغراء، وظهر مستغلون في المجال السياسي وآخرون يقصرون
نشاطهم على العمل الاجتماعي وحدهً.

وسط هذا البلاء والتمزق الشامل كان حسن البنا يدعو إلى الإسلام دينًا ودولة
ويتخلص بلباقة من الآثار الموروثة والأهواء الوافدة، كان يحارب التقاليد
الغبية بنفس العزم الذي يحارب به الغزو الفكري، وأشهد أنه مَحَقَ ذاته في
مرضاة الله وبذل النصح للعامة والخاصة، وكان يضن بالدقيقة من يومه أن تضيع
في غير مصلحة الإسلام والمسلمين.

رحم الله إمامنا الشهيد وثبتنا على طريقه حتى نلقى الله".

[د] مقدمة كتاب.. دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين::



قال الشيخ:
"ملهم هذا الكتاب وصاحب موضوعه: الأستاذ الإمام حسن البنا، الذي أصفه
ويصفه معي كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة، فقد وضع جملة مبادئ
تجمع الشمل المتفرق، وتوضح الهدف الغائم، وتعود بالمسلمين إلى كتاب ربهم،
وسنة نبيهم وتتناول ما عراهم خلال الماضي من أسباب العوج والاسترخاء، بيدٍ
آسيةٍ، وعين لماحة فلا تدع سببًا لضعف أو خمول.

ومن الخطأ القول بأن حسن البنا أول من رفع راية المقاومة في هذا القرن
الذليل، لقد سبقه في الشرق العربي، والمغرب العربي، وأعماق الهند
وإندونيسيا، وغيرها، رجال اشتبكوا مع الأعداء في ميادين الحرب والسياسة
والتعليم والتربية، وأبلوا بلاءً حسنًا في خدمة دينهم وأمتهم.

وليس يضيرهم أبدًا أنهم انهزموا آخر الأمر، فقد أدوا واجبهم لله، وأتم من بعدهم بقية الشوط الذي هلكوا دونه.

إن حسن البنا استفاد من تجارب القادة الذين سبقوه، وجمع الله في شخصه مواهب تفرقت في أناس كثيرين.


كان مدمنًا لتلاوة القرآن يتلوه بصوت رخيم، وكان يحسن تفسيره كأنه الطبري أو القرطبي، وله قدرة ملحوظة على فهم أصعب المعاني ثم عرضها على الجماهير بأسلوب سهل قريب.
وهو لم يحمل عنوان التصوف، بل لقد أبعد من طريقة كانت تنتمي إليها بيئته.

ومع ذلك فإن أسلوبه في التربية وتعهد الأتباع وإشعاع مشاعر الحب في الله، كان يذكر بالحارث المحاسبي وأبي حامد الغزالي.

وقد درس السنة المطهرة على والده الذي أعاد ترتيب مسند أحمد بن حنبل، كما
درس الفقه المذهبي باقتضاب، فأفاده ذلك بصرًا سديدًا بمنهج السلف والخلف.


ووقف حسن البنا على منهج محمد عبده وتلميذه صاحب المنار الشيخ محمد
رشيد رضا، ووقع بينه وبين الأخير حوار مهذب، ومع إعجابه بالقدرة العلمية
للشيخ رشيد، وإفادته منها، فقد أبى التورط فيما تورط فيه. "يقصد: تصديه
بعنف للحملة على الأزهر وعلمائه المقلدين للمذاهب، وعلى الطرق الصوفية
وغيرهم فوافق الشيخ البنا الشيخ رشيد في فكره وخالفه في أسلوبه وطريقته.

ولعله كان أقدر الناس على رفع المستوى الفكري للجماهير مع لبقة من أسباب الخلاف ومظاهر التعصب.

وقد أحاط الأستاذ البنا بالتاريخ الإسلامي، وتتبع عوامل المد والجزر في
مراحله المختلفة، وتعمق تعمقًا شديدًا في حاضر العالم الإسلامي، ومؤامرات
الاحتلال الأجنبي ضده.
ثم في صمت غريب أخذ الرجل الصالح يتنقل في مدن مصر وقراها، وأظنه دخل ثلاثة آلاف من القرى الأربعة آلاف التي تكون القطر كله.

وخلال عشرين عامًا تقريبًا صنع الجماهير التي صدعت الاستعمار الثقافي والعسكري، ونفخت روح الحياة في الجسد الهامد".

[2] الأستاذ الشيخ: البهي الخولي صاحب كتاب "تذكرة

الدعاة" يتحدث عن حسن البنا



فكرة تحيا في رجل::


"طيف من النور ألم بهذه الدنيا إلمام الغريب الطارئ أو الضيف العابر، ثم
تركها ومضى، هذه هي قصة حسن البنا... ماذا يأخذ الطيف من الدنيا، أو ماذا
يجمع لنفسه منها؟ لا شيء، وماذا يترك الطيف في هذه الدنيا حين يلم بها
قديسًا من عالم القدسي، نورانيًّا من عالم النور؟، إنه يترك كل شيء حين
يترك للضمائر نورها، وللنفوس قدسها وطهرها!!.. وهكذا كان حسن البنا، لم
يأخذ لنفسه شيئًا وقد ترك للناس كل شيء!!.

هبط حسن البنا هذه الدنيا وموجة المادية تطغى حول الناس وقلوبهم ونفوسهم
مادية الفكر والعاطفة، والشهوة، ولقد قضينا نحن شطرًا من شبابنا في هذه
الموجة، فكنا نظن فضائل الإسلام ومثله العليا، أمورًا نظرية لا شأن لها
بواقع الحياة، كل حظ الناس منها، ترديد عباراتها إن رددوها، كما تردد
عبارات الشعر والأدب الجميل.

كان الناس يحيون في غمار الموجة المادية، حين قام حسن البنا في إشراق هالة
أخرى لها مبادئها ومثلها العليا، هالة الفكر الإسلامية، يحيا فيها بقلبه
ويحيا فيها بعقله، ويحيا فيها بنفسه، ويحيا فيها بوجدانه، وشعوره وعصبه،
فكانت مبادئها عنده هي الحق، وما سواها الباطل، وكانت مثلها هي النواميس
العملية الأصلية، وما سواها وهم خادع وسراب لا معول عليه، وكانت زهرة
الحياة الدنيا تتضاءل وتتقلص أمام عينيه إلى جانب ما يفيض عليه في هالة من
سعادة رزق الله، فكان زهده في دنيا المادة لا يعدله إلا زهد أهل المادة
فيما لديه من مثل رفيعة شريفة، ولقد عرضت الدنيا نفسها عليه وجاءته خاطبة،
وواتته الظروف ولكن هيهات أن تروج هذه الأوهام في نفس مشغولة زاخرة
بالحقائق النفسية العليا.

جاءه من يعرض عليه منصبًا في فجر الدعوة سنة 1932م، ليلين عن بعض واجبه في
منصب الداعي إلى الله، وكانت نظرة رثاء وإشفاق وتبكيت، ذابت لها شخصية
الداعي هوانًا ودحورًا وخجلاً، ولو أنه أجاب ما عرض عليه، لكان لبنيه اليوم
من يجد المنصب ونعمته ما يحسدهم عليه الكثيرون، وعرض عليه الإنجليز ذهبهم
الوهاج في مستهل الحرب العالمية الماضية، ألوفًا وعشرات الألوف، من ورائها
خزائن طوع أمره، ورهن إشارته، ولكن الرجل المتواضع السهل السمح أذل
بكبريائه القاسية من جاء يساومه في مثله وكرامته، ونكس القوم على رؤوسهم،
مدركين أن الذهب والفضة لا يعالجان بما يحسم أمره، ويخفت صوته للأبد، ولو
أنه ألان لهم الجانب لما كشف أحد سره، ولما تعرض لنقمه الناقمين، وغيظ
الحاقدين، ولكان لبنيه اليوم من الضياع والعمائر ما يسلكهم في أرباب الثروة
الطائلة.

نعم، وهذه شركات الإخوان المسلمين يعمل في مجالس إدارتها جميعًا فتعرض عليه
المرتبات السخية، والمكافآت المجزية، ولكنه يريد أن يكون مأجورًا من الله
لا من الناس، فيجعل عمله في هذه الشركات حسنة له سبحانه، ولأول مرة نرى في
عالم الشركات والاقتصاد هذا المثل الفذ الفريد كان حسن البنا فكرة قوية
هائلة، ولفكرة لا تبغي مالاً، ولا تسعى لعرض زائل، لذا رأيناه يحيا بيننا
حياة الطيف الخفيف، يلم الدنيا على هوادة، لا يجمع منها ولا يمنع، ولا يهتم
لشيء فيها إلا بمقدار، ولا يصيب منها إلا ما تدعو إليه الضرورة، يأكل ما
حضر من الطعام، ويلبس ما تيسر من اللباس، ويتخذ ما قل وكفى من السكن، ويعيش
عيشة الكفاف، ولا يهمه أن يترك بنيه لله تعالى ولا شيء معهم، وكل قرة
عينه، وبهجة نفسه، أن ينادي في الناس بكلمة الله، ويعلن إليهم ما في صدره
من الأسرار، وأن يرى فضائل فكرته ومثله العليا حقائق واقعة، وصورًا عملية
تسعى في حياة الناس على قدمين وتزحم بمناكبها العريضة كل ما يعترضها من
باطل، وتنضر وجه الدنيا بإبائها وعفتها، فإذا بلغ من ذلك ما أراد رضيت
الفكرة في نفسه وبسمت في قرارة فؤاده بسمة لها من سنا وجه الله نعيم ونور
وغبطة.

ولقد كان للناس قبل حسن البنا يقرأون نصوص الدين ويستمتعون لمواعظه، فلا
يكاد يعلق بنفوسهم شيء منها، فلما جاء بعث الراكد وحرك الهامد، وأثار
الأشواق، وعلق هم العاملين بالأفق الأعلى... ولم يأت حسن البنا بعلم جديد
ولم يكن حسن البنا بأعلم العلماء، إنما كان شأنه وشأن غيره، إن الغير يعرض
الفكرة الإسلامية ما استطاع، أما هو فكان الفكرة الإسلامية تعرض نفسها حية
سافرة... تعرض نفسها على لسانه بيانًا جزلاًَ مفصلاً. وتعرض نفسها في لهجة
صوته خشوعًا وحنينًا وروحًا غريبًا تطمئن به القلوب وتعرض نفسها على ملامح
وجهه قوة ناطقة بما يشاء، وتعرض نفسها في نور عينيه نظرات نافذة ملهمة،
تلهم القلوب والنفوس جميعًا. فإذا نور جديد يشرق في جوانب النفس، وحياة
جديدة تنشر ميت القلوب، وإذا بالناس إزاء الإسلام الحي الخالد كأنهم إزاء
كلام محدث جديد، وأمر تربو به نفوسهم لا عهد لهم به.


جاء حسن البنا والإسلام قد درست معالمه في أذهان أكثر الناس، فهو عندهم
صلاة ركعات، وصيام أوقات، وطقوس تؤدى في زوايا المساجد، جاء والإباحية تهدد
كل ما بقي لنا من فضيلة، والنفوس هامدة ميتة، قد استنامت للغاصب في أحضان
دعة ذليلة فاترة، قانعة في جهادها بما لا يخرجها عن الدعة، ولا يكلفها إلا
العافية من كل بلاء... جاء والشباب لا يرى في الإسلام إلا مجموعة بالية من
الأفكار المتخلفة عن ركب الحضارة، والحكام ينبذون تشريع السماء، ويستمدون
لنا الإصلاح من تشريعات الأجانب، والاستعمار يبارك كل هذه المفاسد، ويملي
لها أن تذهب إلى آخر مدى، وليست العبرة هنا أن نجح في عرض ملامح الإسلام كاملة،
فإذا هو دين ودولة، وصلاة وجهاد، وروحانية ومادة، وعقيدة وشريعة وتصوف
وعمل، ليست العبرة في ذلك ولا في أنه نجح عمليًّا في إعداد كتائب الغزاة،
الذين خرجوا من أرض الوطن للجهاد في سبيل الله لأول مرة في تاريخ الإسلام
الحديث.. ولا في أنه حبب لشباب ما في الإسلام من نظم تقدمية للمجتمع
الراقي،... لا، ولا في أنه دفع التشريع الإسلامي إلى بيئات القانون
والتشريع، حتى استطاع أن يوجد له في داخلها أنصارًا وأعوانًا، وفي خارجها
رأيًّا عامًا ينادي به، ويدعو إليه... ليست العبرة في هذا كله، ولا في أنه
غزا ميدان الاقتصاد باسم الإسلام، فنجح في إنشاء الشركات التجارية،
والمؤسسات الصناعية.. ليست العبرة في هذا، ولا في غيره مما لا نطيل بذكره،
إنما لب العبرة نستخلصه من بين شقي الرحا.. .. رحا الصراع الهائل الذي نشب
بينه وبين القوى المختلفة، أو بينه وبين عوامل الجهل والهمود والطغيان
والهوى، دعا إلى الجهاد والقوة، وأنحى باللائمة على أولئك الذين ضيعوا تلك
الفريضة المقدسة.... فذعر الاستعمار، وحق له أن يذعر، ونشط إلى دسائسه يحيك
منها ما يحيك، وهب إلى الحكام يقولون: فوضى وثورة على القانون... ومضى
الذين لا يعجبهم العجب ينقون كالضفادع في جهالة وسخف: ما لنا وللجهاد؟!!
كان الجهاد أيام النبي والخلفاء! وأين نحن من تلك الأيام؟!!.

ونشط الداعي إلى عدالة الإسلام يندد بجشع الرأسمالية، وظلم أولئك الذين
يستحلون من جهود الضعفاء ما ليس لهم بحق، فقالوا شيوعي مدمر، يدعو إلى
إفساد ما بين الطبقات.
ولم يطق المسلم الحي أن يغزوه الإلحاد الشيوعي في عقر داره، فانبرى
لمنازلته في قوة وإيمان، فقالوا: فاشية تنزع إلى الدكتاتورية والتعصب.

وأعلنت الفكرة الإسلامية حق الوطن في الجلاء، ووحدة وادي النيل، وأبت إلا
أن تقول للمحسن أحسنت، وللمسيء استقم على أمر الله، فكانت الطامة العارمة،
والقيامة التي لم تهدأ ثائرة الأحزاب منها، ما للدين يتدخل في السياسة، وما
للسياسة تمتزج بالدين؟!!!.

وهبت معارضة جاهلة من العوام، ناعية على أولئك الذين أفسدوا الدين
بالسياسة، وأقحموا السياسة في صميم الدين، ورمي الرجل من أجل ذلك بعداوة
المعادين، وبغض الناقمين ودسائس الكائدين، ورمي بكل مساءة في خلقه ودينه
وعرضه، وقيل إنه مأجور، وإنه مرتشٍ، وذهبت الأراجيف تتحدث عن عشرات الألوف
التي قبضها، والسيارات التي حازها، وأسهم الشركات التي اقتناها من الدجل
باسم الدين، وأخيرًا، لم يكفهم أن ينالوا من الرجل في كل هذا فقتلوه في
نذالة وضعة، ليخلف أبناءه في شقة بالية مهدمة، وكان يدفع عن سكنه فيها مائة
وثمانين قرشًا عن كل شهر، وتتقلص عشرات الألوف أو مئاتها عن صبية صغار
يخلفهم في هذه الدنيا لا ماء ولا شجر.

ثارت لعدائه هذه القوى جميعًا، فكان أمامه دسائس الاستعمار، وأمامه جبروت
الحكام، وأمامه الرأسمالية الظالمة والشيوعية الملحدة الهادمة، وحقد
الحزبية الجامحة، وجهل بعض العامة، حين يندفعون إلى معارضة ما لا يعلمون،
وأمامه كيد اليهود وغير اليهود من كل ناقم ومغيظ، فلو أن حسن البنا كان
رجلاً يعتنق فكرة، لأشفق على نفسه وعلى فكرته من منازلة هؤلاء الأعداء
جميعًا، ولطوى في نفسه بعض ما يؤلب عليه هذه القوى التماسًا لشيء من
العافية في وقت يلتمس فيه دعاة الجهاد المزيف كل العافية.

لو أن حسن البنا كان رجلاًَ يعتنق فكرة لاتخذ لنفسه مسلك السلامة بين هذه
القوى، ولكنه رجل سلكته فكرة وفاضت على عقله وقلبه، وعزيمته، وعصبه، وسخرته
لمشيئتها، كان شحنة هائلة من روحانية الإسلام، فكان عليه أن يبلغ بقدر
الله كل ما أمامه من بينات وآفاق ومحيطات، وما كان يملك أن ينازل بعض
أعدائه ويهادن بعضًا.. وما كان يسعه في دين الله حين نازل الرأسمالية، أن
يترك إلحاد الشيوعيين يسرح ويمرح في أنحاء البلاد، انتظارًا لفراغه من
معركة الرأسمالية!! كلا، وما كان يسعه هذا الدين أن يترك فلسطين تقع غنيمة
للطغيان، اعتذارًا بأنه لا يستطيع أن يحارب في ثلاث جبهات!!. إن شيئًا من
ذلك كله ما كان يسعه، بل ما كان يملكه، لأن الرجل كان فكرة، والفكرة وحدة
متماسكة الأجزاء، وإذا أسفرت شمسها الرائعة، أسفرت بكل عناصرها مرة واحدة
من كل البيئات والأنحاء وهذا هو لب العبرة في جهاد هذا الإمام.

وبعد فهل نجح حسن البنا في رسالته؟ سؤال يختلف في الإجابة عنه الكثير من
الناس، فمن قال إنه نجح، نظر إلى منشآته التي أقامها، وتشكيلاته التي
بناها، ومن قال غير ذلك، أيد قوله بأن الشيوعية لا تزال قائمة، وأن فلسطين
أفلتت من يد العرب، وأن الغاصب لا يزال جاثمًا على صدورنا وأن، وأن،.. ..
وكلا الفريقين محجوب عن حقيقة هذا الإمام العظيم، فليست العبرة أنه نجح في
تكوين شركات، وتأليف هيئات وجماعات، فما هو أهون أن تصطنع المظاهر الكاذبة.

وليست العبرة كذلك أنه انتصر على القوى التي نازلها أو لم ينتصر، وإنما
العبرة بالسر الكامن وراء ذلك كله، فقد كان حسن البنا طاقة ضخمة من الحياة
أراد لها الله أن يجدد بها المجتمع، ويطلق سرها في الأفق الهامد الراكد،
وبدون هذا السر لا تقوم رسالة، ولا يطرأ على الأفق شيء جديد.

ولقد أسلفنا فيما مضى إشارة إلى القوى التي قامت تناهض المرشد وتنابذه، وما
تلك القوى إلا جراثيم الشر والفساد، أفزعها ما بدأ يدب في الجسم المريض
العفن من مدد الحياة الجديدة، ودفقات البرء والصحة، نعم لقد بدأت الحياة
تدب في الجسم الهامد، مباركة باسم الله زاكية فذعرت جراثيم العفن، وتقلقلت
الخلايا الميتة، وجزع ما كان يعيش عليه من حشرات سامة خبيثة، ولكن لن ينفع
الجزع شيئًا، فقد تغلغلت الحياة في أطوائه نامية متجددة، وتوالت عليه رجفات
النشور بالخلايا الجديدة تطهر العفن وتطرد ما فوقها من قشور بالية... وبين
رجفات النشور وصيحات الاستنكار والذعر، انقدح في الأفق كهرباء التطور
الجديد... وسكب حسن البنا آخر دفقة من حياته مع آخر نبضة من قلبه، فمن أراد
أن يعرف حسن البنا فليوفر على نفسه استقصاء منشآته، وتشكيلاته، ومؤلفاته،
وتوجيهاته، وليذكر أن براعم الجيل الجديد كانت تتفتح يوم مقتله على حقبة
تعج بأخبار المعتقلات، وأنباء السجون، وأرواح الشهداء وأحاديث الملاحم،
ودوي القنابل، وزلزلة المحنة وبلاء المؤمنين، ليذكر أن براعم الجيل الجديد
كانت ولا تزال تتفتح على جو مكهرب مشحون بسيول قوية دافقة، ليذكر هذا الجو
الذي أتيح لهذه البراعم، والجو الرخو الناعس الذي تفتحت فيه براعم جيلنا
الماضي، فإنه مدرك أي مس تنشقه البراعم الناشئة وأي طراز جديد من الرجال
سيمثل الميدان في المستقبل العتيد.

ذلكم الجو المشبع بالقوة والأمل والعزم، هو غذاء أعصاب الجيل الجديد، وهو
رسالة الحياة التي أداها حسن البنا لهذا المجتمع في مدى عشرين عامًا من دم
قلبه، وعصارة روحه، حتى إذا كان يوم اغتياله اقشعر الأفق برجفة عنيفة إذ
سرت في ضميره آخر شحنة من كهرباء تلك الحياة المباركة.

وقال الناس يومئذ: مات حسن البنا... وقال قدر الله... لا فهو حيّ في
أتباعه، وهو حي أكثر من ذلك في تلك البراعم التي لم يرها ولم تره.

لم يمت حسن البنا، وإنما انطلقت مبادئه من إطارها الذي ألزمته حيًّا وتحررت
الفكرة الإسلامية من نطاق اللحم والدم لتواصل أمرها في آخرين.. انطلقت
الفكرة من قلب واحد لتربو من جديد في قلوب هيأها الله على قدر... أما
الإطار الطاهر والجسم العزيز فقد رد إلى أهله ليخرج من هذه الدنيا متواضعًا
يسير المظهر، كما دخلها متواضعًا يسير المظهر وكما عاش فيها كذلك، وساهمت
الحكومة المتحضرة في هذا التواضع واليسر فحرمت المشيعين أن يقربوه ورأى
الناس يومئذ عجبًا في الجنازات، رأوا نعشًا يحمل لأول مرة في تاريخ البشر
على أعناق النساء، وفي مقدمتهن فتاة قوية صبور تهتف بأبيها: قر عينًا يا
أبتاه فلن نتخلف عن رسالتك، ولينهك قدومك على الله مقدم الشهداء.. ولئن
منعت الحكومة من يشيع جثمانك، وأسفاه لنذالة الحكام- فحسبنا عزاء أو جزاءً
أن أرواح الشهداء تمشي معنا، وتشيع عن أهل السماء ما عجز عن تشييعه أهل
الأرض.

وفي وحشة الشارع المقفر الغادي والرائح، إلا من هذه الجنازة المتمهلة
الفريدة، ارتجت المنازل على الجانبين واجهشت النوافذ والشرفات بالبكاء، وهم
يرون حسن البنا العظيم، يحمل على كتف زوجته وابنته إلى مقره الأخير".
[مجلة الدعوة 13 فبراير 1951م]

















































































الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شخصية الإمام البنا في رأي العلماء
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات شباب الإخوان المسلمون :: المنتديــــــــــات الخاصة بالجماعــــــــــة :: المنتديــــــــــات الخاصة بالجماعــــــــــة :: عن الامام حسن البنــــا-
انتقل الى: